الشيخ محمد الصادقي الطهراني

38

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

من عبادة العجل ، كانت عقوبته كذلك أخف منها ، حيث أولاء قتلوا بالصاعقة ثم بعثوا ، وهؤلاء تقاتلوا دون بعث لمن قتلوا ، وعلّ القاتل منهم ترجّى ليته المقتول لعظم المشهد وهول المطلع . فإطلال فترة الإذلال الفرعوني أفسد من فطرتهم الشيء الكثير ، الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل الطويل ، تحطيما للفضائل وتحليلا للفواضل ، وغرسا للرذائل ، واستخذاء تحت رحمة الجلّاد ، ثم تمردا بعد رفع السوط ، وتبطرا حين النّهمة بالنعمة ، على ما كانوا عليه من حب المادة ، وصلابة العقيدة والحماقة العميقة . ولكن اللّه تعالى يمهلهم دون أن يهملهم ، ففي كل مرة من تهريف أو تجديف تدركهم رحمة اللّه وتوهب لهم فرصة الحياة لعلهم يشكرون فلا يهرفون بما لا يعرفون : « ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . وفي هذا البعث رجعة إلى الحياة الدنيا دليل قاطع لامردّ له على إمكانية الرجعة وقوعا فيما بعد كما نعتقده في دولة القائم المهدي عليه السلام وكما في آيات أخرى تبعث جماعات بعد موتهم * . ثم وفي هذه الآية دلالة باهرة على امتناع رؤية اللّه جهرة ، فلو أمكنت لم يستحق طالب الرؤية لمزيد الايمان عقوبة وتنديدا ، ولم يك ذلك منهم ظلما : « يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ » ( 4 : 153 ) ولم يك كذلك استكبارا وعتوا : « وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً » ( 25 : 21 ) لابالنسبة للناس العاديين